حيدر حب الله

128

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

وبعبارة أخرى : إنّ توصيف الدنيا بأنّها لهوٌ ولعب هو توصيف لها بملاحظة الآخرة ، كي لا يرى الإنسان أنّ الدنيا هي غاية المقصد ، بل ينظر إليها باحتقارٍ تام ، فيجعلها سبيلًا للمقصد الحقيقي وهو الله والدار الآخرة ، فلاحظوا عنصر المقارنة والخصوصيّات التي نتكلّم عنها في الآيات التي تحدّثت عن توصيف الدنيا بأنّها لعب ولهو ، حيث نرى المقارنة مع الآخرة حاضرةً فيها بعد ضمّ بعضها إلى بعض : أ - قال تعالى : ( وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ) ( الأنعام : 32 ) ، فالآية تريد أن تقول بأنّ الدنيا هي لا شيء أمام الآخرة ، فلا تغترّوا بها وتظنّوا بأنّها دار القرار ، فهي ليست إلا لهواً ولعباً أمام الآخرة ، تماماً كما هي مرحلة اللهو واللعب عند الأطفال ، من حيث إنّها ليست المعيار والمقصد في حياة الإنسان ، فعليه أن لا يظنّ أنّ الحياة هي هذه فقط ، بل هذه ليست سوى مقدّمة لتلك ، خلقها الله لغرض عقلاني وهو الابتلاء والامتحان اللذين هما المعيار في تعيين مصير الإنسان يوم القيامة تبعاً لأدائه فيهما . ب - وقال تعالى : ( وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) ( العنكبوت : 64 ) . فليست الدنيا سوى لحظات عابرة أمام الآخرة التي هي الحياة الحقيقيّة ، أمّا هذه فهي عدمٌ بالقياس إلى تلك ، فكأنّك تقول لابنك الصغير : هذه المرحلة من عمرك ليست سوى تسلية أمام مرحلة النضوج ، فهناك سترى الحياة الحقيقيّة ، وهذا لا يعني أنّ مرحلة الصغر لا قيمة لها أو أنّها عبثية ، بل هي مرحلة التكوّن والتبلور والتربية والتدريب . ج - وقال تعالى : ( إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ